السيد محمد حسين الطهراني
58
معرفة الإمام
فكّر يا مفضّل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار . فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كلّه ، فلم يكن الناس يسعون في معايشهم ، وينصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم ، ولم يكن يتهنَّون بالعيش مع فقدهم لذّة النور وروحه . والأرب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الإطناب في ذكره ، والزيادة في شرحه . بل تأمّل المنفعة في غروبها . فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدوء والراحة لسكون أبدانهم ، ووجوم حواسّهم ، وانبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء ، ثمّ كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم . فإنّ كثيراً من الناس لولا جثوم هذا الليل لظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار حرصاً على الكسب والجمع والادّخار . ثمّ كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس ضياءها ، وتحمي كلّ ما عليها من حيوان ونبات . فقدّرها الله بحكمته وتدبيره ، تطلع وقتاً وتغرب وقتاً ، بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ، ثمّ يغيب عنهم مثل ذلك ليهدأوا ويقرّوا ، فصار النور والظلمة مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه . إلى أن يقول عليه السلام في آخر هذا الفصل : فكّر في هذه العقاقير وما خصّ بها كلّ واحد منها من العمل في بعض الأدواء . فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول مثل الشيطرج ، وهذا ينزف المرّة السوداء مثل الأفتيمون ، وهذا ينفي الرياح مثل السكبينج ، وهذا يحلّل الأورام وأشباه هذا من أفعالها . فمن جعل هذه القوي فيها إلّا من خلقها للمنفعة ؟ ! ومن فطن الناس بها إلّا من جعل هذا فيها ؟ ! إلى أن يقول : واعلم أنّه ليس منزلة الشيء على حسب قيمته ، بل